بينما يفتح البيت الأبيض أبوابه لاستقبال الرئيس الأمريكي الجديد "باراك أوباما"، تتبارى المشكلات الداخلية والخارجية في الظهور تباعًا كتحديات في انتظار الحل.
وإذا كان أوباما قد برز كسياسي إصلاحي خلال حملته الانتخابية، فإنه قد ورث معوقات صعبة ربما يأتي في مقدمتها الحالة الراهنة التي صار إليها جيش الولايات المتحدة بعد أن أنهكته حربا العراق وأفغانستان، وخسر معدلاته السنوية في تجنيد المتطوعين الجدد، ولحق به الضرر من ناحية الكفاءة والفاعلية والجاهزية.
وحول الوضع الراهن للقوات المسلحة الأمريكية، والآمال المعقودة على أوباما في انتشال الجيش من الهاوية التي ينزلق إليها، قدمت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في مقال افتتاحي لها الأسبوع الماضي استعراضًا لأهم المعوقات التي يرزخ تحتها الجيش والتغييرات والحلول التي يمكن أن يتبناها الرئيس أوباما لمواجهة ذلك، وجاء في المقال:
من المتوقع أن يواجه "باراك أوباما"، كرئيس للبلاد، أكثر تحديات الأمن القومي مشقة وتعقيدًا منذ أكثر من جيل مضى، كما سيرث جيشًا يعاني بصورة حرجة من نقص التجهيزات والعتاد اللازمة لمهمته
من المتوقع أن يواجه "باراك أوباما"، كرئيس للبلاد، أكثر تحديات الأمن القومي مشقة وتعقيدًا منذ أكثر من جيل مضى، كما سيرث جيشًا يعاني بصورة حرجة من نقص التجهيزات والعتاد اللازمة لمهمته.
فكل من القوات والمعدات في حالة إنهاك شديد جراء حرب الرئيس بوش الكارثية في العراق، حتى أن البنتاجون - وزارة الدفاع الأمريكية - ليس لديه ما يكفي من كليهما- العدد والعتاد - للقتال في أفغانستان، التي تعد الجبهة الأمامية للحرب على "الإرهاب"، ناهيك عن التصدي للتهديدات المستقبلية.
وهذا أمر غير محتمل، وخاصة بعدما بلغت ميزانية البنتاجون، التي تتضمن إنفاقات الحربين، 685 مليار دولار خلال العام 2008. وهي زيادة بنسبة 85% بالدولار الحقيقي عن عام 2000 وتعادل تقريبًا ميزانيات الدفاع الأخرى حول العالم مجتمعة. كما أنه كذلك أعلى مستوى للدولار الحقيقي منذ الحرب العالمية الثانية.
سيكون لزامًا على إدارة أوباما إعادة بناء الجيش وإعادة هيكلته بصورة معتبرة
ومن أجل توفير الحماية للبلاد، فسيكون لزامًا على إدارة أوباما إعادة بناء الجيش وإعادة هيكلته بصورة معتبرة. إننا لا نقلل من صعوبة تلك المهمة. فحتى إن توافرت أموال لا حصر لها، فإن التخطيط صعب بدرجة قصوى في عالم العدو فيه ليس عدوًا واحدًا، كما يحدق به العديد من الأخطار.
ويجب أن تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها من حلف شمال الأطلسي "الناتو" قادرين على إنزال الهزيمة بحركة طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان-- ومواصلة تعقب عناصر القاعدة حول العالم. كما يجب أن يقيم مسئولو التخطيط بالبنتاجون التهديدات المحتملة التي تمثلها طموحات إيران النووية، وكوريا الشمالية الشاردة، والصين الصاعدة، وروسيا العدائية، ومجموعة من الدول غير المستقرة مثل الصومال وأيضًا باكستان ذات التسلح النووي. ويتعين عليهم كذلك أن يكون لديهم قوات، وسفن بحرية، وطائرات بما يكفي لطمأنة الحلفاء في آسيا، والشرق الأوسط، وأوروبا.
إن الهدف هو وجود جيش كبير بدرجة كافية وقادر على التحرك بدرجة كافية من أجل التصدي للأعداء. كما أنه يتعين عدم الانخراط في حروب اختيارية أخرى غير ذات أساس مثل حرب العراق. إن الرئيس المقبل يجب أن يكون أكثر رغبة في حل المشكلات عن طريق الاعتماد على الدبلوماسية الخلاقة والحازمة.
غير أن البلاد يجب أن تكون مستعدة لخوض القتال إذا لزم الأمر. ولبناء جيش فعال يتعين على الرئيس المقبل القيام ببعض التغييرات الجذرية.
قوات أرضية إضافية:
إننا نعتقد أن الجيش في حاجة إلى الـ 65.000 الإضافية من القوات الأرضية وكذلك الـ 27.000 الإضافية من جنود مشاة البحرية التي حث الكونجرس مؤخرًا الرئيس بوش على السعي لتأمينها. ومن المتوقع أن تستغرق هذه التعزيزات عامين على الأقل؛ إلا أنه في نهايتها سيكون لدى الولايات المتحدة 759.000 من القوات الأرضية العاملة.
إن ذلك قد يبدو عددًا كبيرًا، وخاصة مع احتمال عمليات انسحاب مؤثرة من العراق. غير أنه بالرغم من ذلك سيظل حجم القوات الأرضية لدى الولايات المتحدة أقل مما كانت عليه قبل 20 عامًا، خلال المراحل الأخيرة من الحرب الباردة، بنحو 200.000. كما أن أقل من ثلث تلك القوات الأرضية الموسعة سيكون متاحًا للانتشار في أي وقت مفترض.
ويتفق الخبراء العسكريون على أنه لكل عام تقضيه القوات العسكرية العاملة في الميدان، يكونون بعدها في حاجة إلى عامين في الوطن من أجل استعادة العافية، والتدريب مجددًا، والاجتماع مع أسرهم، وخاصة في قوة كل أفرادها من المتطوعين. (كما أن الجنود الأكبر سنًا، والذين يعملون وقتًا جزئيًا من قوات الحرس الوطني والاحتياط يحتاجون حتى أكثر من ذلك).
لقد أُنهك الجيش بصورة سيئة، وبشكل أساسي جراء حرب العراق
ولقد أُنهك الجيش بصورة سيئة، وبشكل أساسي جراء حرب العراق. حيث تم تدوير ألوية الجيش مرتين بل حتى ثلاث مرات في عمليات انتشار للقوات رافقتها استراحة بالكاد لمدة عام واحد بينها. وحتى في ذلك الحين، كان على البنتاجون مواصلة اعتماده بدرجة كبيرة على وحدات الحرس الوطني وجيش الاحتياط من أجل استكمال القوة. إن التكلفة طويلة المدى على المستوى المعنوي، وعلى مستوى كلٍ من كفاءة عمليات تجنيد القوات، والجاهزية من شأنها أن تستمر لسنوات مقبلة.
نحو خمس القوات – 300.000 فردًا من الرجال والنساء- العائدين من العراق وأفغانستان قد سجلوا حالات اضطراب ما بعد الصدمة
وكان نحو خمس القوات – 300.000 فردًا من الرجال والنساء- العائدين من العراق وأفغانستان قد سجلوا حالات اضطراب ما بعد الصدمة.
إن الوسيلة الأكثر مسئولية من أجل تجاوز تلك العقبات هي وجود قوات أرضية أكبر بدرجة ملموسة. وإذا حظت البلاد بحظ وافر بما يكفي لتتطلب فقط أعدادًا أقل من القوات في الميدان في غضون السنوات القليلة المقبلة، فإن تحسن معدلات التدوير سيكون من شأنه أيضًا أن يسهم في خلق قوة عسكرية ذات كفاءة أعلى.
مهارات جديدة:
هزم البنتاجون بسهولة جيش "صدام حسين"، ولكن كان من الواضح أنه غير مستعد للتعاطي مع عمليات "التمرد" ثم الحرب الأهلية الطائفية الشرسة التي أعقبت ذلك
ربما لا يزال يتعين على أمريكا خوض حروب تقليدية ضد أنظمة معادية، غير أن الصراعات المستقبلية من المرجح على أقل تقدير أن تتضمن حرب عصابات تستخدم ببراعة تكتيكات "إرهابية"، وربما كذلك أسلحة دمار شامل. ولقد هزم البنتاجون بسهولة جيش "صدام حسين"، ولكن كان من الواضح أنه غير مستعد للتعاطي مع عمليات "التمرد" ثم الحرب الأهلية الطائفية الشرسة التي أعقبت ذلك.
وقد اتخذ الجيش خطوات في تدريب القوات على "الحرب غير النظامية". كما أعاد الجنرال "ديفيد بيترايوس" صياغة المذهب الأمريكي لمكافحة "التمرد" ليجعل من حماية الشعب المدني وإضفاء الشرعية على الحكومة الوطنية، مهام رئيسة للجنود الأمريكيين.
ويولي المذهب الجديد أولوية للتعامل مع المدنيين في مناطق الصراع- مثل (تشكيل مواقف، واستعادة الأمن، وتقليل الخسائر، واستعادة الخدمات الأساسية، والانخراط في "عمليات استقرار" أخرى)- بنفس القدر الذي يوليه تجاه العمليات القتالية.
وكل جندي بالجيش وكل عنصر من عناصر المارينز ممن قاموا بالخدمة في العراق أو أفغانستان قد جنوا خبرة حقيقية. إلا أن تركيب الجيش وميله المؤسسي لا يزال ترجح كفته تجاه قتال الحروب التقليدية. ويخشى بعض الخبراء أن يأتي – مثلما حدث بعد حرب فيتنام- على الجيش وقت يرفض فيه الإرشادات والمستحدثات الجديدة.
أما بالنسبة للمستقبل المرجو، فإنه يتعين تدريب القوات على كل من عمليات مكافحة التمرد، وجلب الاستقرار وكذلك المزيد من التدريب على القتال التقليدي. كما يتعين أن يتم إعدادهم ليكونوا مستعدين لتحمل عمليات طويلة المدى.
يجب على الجيش كذلك تمرين المزيد من الوحدات المتخصصة، بما في ذلك المزيد من المدربين لمعاونة البلدان الصديقة في تطوير جيوشها
ويجب على الجيش كذلك تمرين المزيد من الوحدات المتخصصة، بما في ذلك المزيد من المدربين لمعاونة البلدان الصديقة في تطوير جيوشها وذلك كي تتمكن من أن تكمل أو تحل محل القوات الأمريكية في مناطق الصراع. وهو ما يعني توظيف مزيد من اللغويين، وتدريب مزيد من القوات الخاصة، وبناء خبرة بالشئون المدنية والوعي الثقافي.
الاحتفاظ بقدرة على الحركة:
في عالم متقلب دون حدود قتالية واضحة، يجب على البلاد أن تضمن قدرتها- التي تسمى بقدرة النقل – على تحريك أعداد كبيرة من الرجال والعتاد بصورة سريعة حول العالم ودعمهم بالإمدادات عبر البحر عند الضرورة.
وفيما عدا العراق وأفغانستان، فإن البنتاجون قد خفض عدد قواعده الدائمة بالخارج كوسيلة لتقليص وضع الولايات المتحدة في دائرة الضوء. ومن المتوقع بين عامي 2004 و2014 أن تتقلص القواعد الأمريكية بالخارج من 850 إلى 550. كما أن أعداد القوات المتمركزة بصورة دائمة في الخارج سوف تنخفض لتصل إلى 180.000 بعدما كانت 450.000 خلال حقبة الثمانينات.
إن الكثير من تجهيزات النقل عتيقة وبالية. وسيحتاج البنتاجون إلى المزيد من الإنفاق على أنواع الطائرات ذات الأهمية مثل طائرات الشحن للمسافات الطويلة، وطائرات تزويد الوقود. وكانت طائرة الوقود KC-X قد نوقشت خلال جدل تعاقدي اتسم بالفوضى. ويتعين على الإدارة الجديدة المضي قدمًا في خطط لشراء 179 طائرة جديدة من خلال عروض تنافسية عادلة ومفتوحة.
وتقوم الصين حاليًا بتوسيع أسطولها للمياه العميقة بدرجة كبيرة حتى أنها أثارت قلق العديد من الدول المجاورة لها. وينبغي على الولايات المتحدة ألا تحاول عرقلة انبعاث الصين مجددًا كقوة عظمى. فهي لا تستطيع التخلي عن البحار، كما أنها لن يمكنها السماح لأية دولة بالتدخل في الممرات الملاحية الحيوية.
وينبغي على أمريكا أن تحافظ على إنفاقاتها في مجال النقل البحري، بما فيها سفن قوة التمركز المسبق البحرية والتي تحمل جميع المستلزمات التي يحتاج إليها مشاة البحرية من أجل عمليات عسكرية أولية
وينبغي على أمريكا أن تحافظ على إنفاقاتها في مجال النقل البحري، بما فيها سفن قوة التمركز المسبق البحرية والتي تحمل جميع المستلزمات التي يحتاج إليها مشاة البحرية من أجل عمليات عسكرية أولية (أرضيات لهبوط الطائرات المروحية، وغذاء، ومعدات ضخ مياه). كما يتعين عليها كذلك إعادة إمداد تموينات السفن التي تم استنفاذها لاستخدامها في العراق. وتوقعت إحدى الدراسات في عام 2006 أن عمليات إعادة التموين سوف تبلغ تكلفتها 12 مليار دولار بالإضافة إلى 5 مليار دولار عن كل عام إضافي تبقى فيه قوات مشاة البحرية داخل العراق.
كما أن البنتاجون في حاجة إلى إنفاق المزيد على الطائرات الحربية الساحلية الماهرة والأصغر حجمًا، وإنفاق أقل على السفن القتالية المستخدمة في المياه الزرقاء.
المزيد من ترشيد الإنفاق:
إن ما ندعو إليه سيكون ذا تكلفة باهظة. فإضافة 92.000 من القوات الأرضية سوف يتكلف أكثر من 100 مليار دولار على مدار السنوات الستة المقبلة، كما أن الاحتفاظ بقدرة نقل من شأنه أن يتكلف مليارات أخرى. وكذلك فإن أكثر ما سيتم توفيره كنتيجة لانسحاب القوات من العراق سيتعين تكريسه من أجل إصلاح وإعادة بناء القوة.
إذا ما استمر البنتاجون في شراء أنظمة الأسلحة باهظة الثمن الأكثر ملائمة للحرب الباردة، فإنه سيكون من المستحيل أن ينفق على الأسلحة والملكات اللازمة لتحقيق الغلبة مستقبلاً
ويجب أن يتم إنفاق الأموال بشكل أكثر حكمة. فإذا ما استمر البنتاجون في شراء أنظمة الأسلحة باهظة الثمن الأكثر ملاءمة للحرب الباردة، فإنه سيكون من المستحيل أن ينفق على الأسلحة والملكات اللازمة لتحقيق الغلبة مستقبلاً.
وهناك توفيرات في الإنفاق يمكن العثور عليها؛ عن طريق إبطاء أو وقف إنتاج المقاتلات الجوية الضخمة عالية التكلفة (مثل نوع F-22، والتي لم يتم استخدامها خلال الحربين الحاليتين) وكذلك السفن الحربية بأواسط المحيطات والتي من غير المرجح الاستعانة بها على المدى القريب.
ويخطط البنتاجون لإنفاق 10 مليار دولار العام القادم على نظام غير مختبر للدفاع الصاروخي وذلك في كلٍ من ألاسكا وأوروبا، إلا أنه يتعين على السيد أوباما إيقاف ذلك الانتشار وتكريس جزء من الميزانية من أجل الأبحاث المستمرة إلى أن يتم التوصل إلى ضمان بأن النظام سوف يكون ناجحًا.
ومن اللازم تعديل نظام مشتريات البنتاجون. فهناك العشرات من أكثر برامج الأسلحة تكلفة قد تجاوزت مليارات الدولارات فوق الميزانية المقررة، وأعوام وراء الجدول الزمني.
إن إنهاء برنامج للأسلحة، أو البدء في برنامج جديد، أو تطبيق مبدأ جديد -- جميع ذلك يتطلب وقتًا وقيادة سياسية. وسوف يكون الرئيس أوباما في حاجة عاجلة إلى وضع رؤيته بشأن الجيش الذي يحتاج إليه هذا البلد للحفاظ على أمنه، والتغلب على تهديدات القرن الحادي والعشرين.